روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

430

عرائس البيان في حقائق القرآن

الامتحان ، وربما زاده الحق في أوحش مقام وهو مشغول الرسم ، ولم يعرف شرف حاله ، فكان مشغولا عنه برسم الاعتذار والعبودية ، فيا ربّ صفاء في الكدورة ، ويا ربّ مكاشفة في المعصية ، اكتم يا أخي غيب الحق بستر غيره حتى لا يكون السر ظاهرا لأهل الرسوم ، فيسقطون من إيمانهم ، يقع الغبن يوم التغابن لمن كان مشغولا بالجزاء والعطاء ورؤية الأعواض ورؤية المعصية والطاعة ، ومن كان شاهد الحق خرج من وصف الغبن ؛ إذ الغبن من أوصاف من كان غائبا عن مشاهدته ، فإذا استغرق في بحار جماله وجلاله لا يبقى عليه فرح الغبن ، ولا حزن الفوت ، إذ الكل غابن له ، وسقط عند ذكر ما مضى وما يستقبل ، ولي لسان آخر في التوحيد أن الكل يقع في الغبن ، إذا عاينوا الحق بوصفه وهم وجدوه أعظم وأجل مما وجدوا منه في مكاشفتهم في الدنيا ، فيكونون مبهوتين متحيرين مغبونين ؛ حيث لم يعرفوه حق معرفته ، ولم يعبدوه حق عبادته ، ولا يعرفون أبدا حقيقة المعرفة ، وأي غبن أعظم من هذا ؛ إذ يرونه ولا يصلون إلى وجوده بالحقيقة . قال ابن عطاء : « تغابن » أهل الحق على مقادير الضياء عند الرؤية والتجلي ، و « التغابن » في رؤية القلب الأعظم وأجل من رؤية الغبن ؛ لأن رؤية الغبن تذهل عن التأمل وهو مقصر عما أطلق لغيره عندها يظهر لكل أحد ، ومن ظهر له الحق بحقه أخرسه من جميع نطقه من منازلته أو منازعته . [ سورة التغابن ( 64 ) : الآيات 10 إلى 18 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 10 ) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 11 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ ( 12 ) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 13 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 14 ) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 15 ) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 16 ) إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ ( 17 ) عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) قوله تعالى : وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ : بيّن اللّه سبحانه وصف الفطرة السليمة التي فطرها على قبول ما جاء من الغيب من الأمور العالية المبغلة قلوب العارفين إلى معادنها ، أي : من كان له قلب سليم يقبل قول الحق ويتبع الحق بالحق ، يعرّفه الحق طريق الحقيقة ،